عمار الأحمد
في الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون نهر الفرات مصدراً للنماء والخير، تحوّل مؤخراً إلى مصدر رعب للأهالي القاطنين على ضفافه؛ فبعدما راح ضحيتَه ثلاثةُ أطفالٍ في دير الزور وشابٌ في مقتبل العمر في الرقة، غمرت مياهه عشرات القرى وتسبّب الفيضان في نزوحٍ جماعي، فضلاً عن إهلاك المحاصيل وتدمير البيوت. ووسط هذه الكارثة الإنسانية، يتردد سؤال واحد: هل كان الفيضان مجرد غضبٍ من الطبيعة، أم أن الإهمال وغياب التنسيق هما السبب الحقيقي؟
أصابع الاتهام: غياب التنسيق وسوء الإدارة
للإجابة عن هذا السؤال، يؤكد خبراء الموارد المائية وشهود العيان أن الكارثة لم تكن حتمية، بل ساهمت فيها عوامل بشرية وإدارية مباشرة، تتلخص في الآتي:
غياب الإنذار المبكر: لم تتلقَ البلديات المحلية أو الأهالي أي تحذيرات مسبقة من إدارة السدود لإخلاء المنازل ونقل المواشي قبل وقوع الكارثة.
العشوائية في تصريف المياه: فُتحت بوابات السدود بشكل مفاجئ لتخفيف الضغط عنها، دون دراسة مسبقة للقدرة الاستيعابية لمجرى النهر في المناطق المنخفضة.
إهمال الصيانة البنيوية: تخلت الجهات المعنية عن تدعيم السواتر الترابية لحماية القرى، ولم تقم بتطهير مجرى النهر من الترسبات التي تعيق تدفق المياه بسلاسة.
التعديات على حرم النهر: سمح غياب الرقابة بالتوسع العمراني والزراعي في مناطق السهول الفيضية الطبيعية المعرضة للفيضان قانونياً.
الموقف الرسمي مقابل الواقع
وفي المقابل، بينما تبرر الجهات الرسمية الأزمة بـ “التغيرات المناخية” والتدفقات المائية المفاجئة من دول المنبع، يرى المتضررون والمنظمات المدنية أن التغير المناخي بات أمراً واقعاً ومعطى ثابتاً، وكان الأجدى بالمسؤولين وضع خطط طوارئ استباقية بدلاً من الاعتماد على ردود الفعل العشوائية وغير المدروسة.
الخلاصة والحلول
إن غرق قرى الفرات يكشف عن فجوة عميقة في التنسيق الإداري، وإهمال واضح في اتخاذ التدابير الوقائية. ولتفادي تكرار هذه المأساة مستقبلاً، يتطلب الوضع اتخاذ إجراءات عاجلة تشمل:
إنشاء غرفة عمليات مشتركة لربط إدارة السدود بالسلطات المحلية بشكل دائم.
تفعيل منظومات إنذار مبكر حديثة لحماية أرواح المدنيين وممتلكاتهم.
تكثيف أعمال صيانة السواتر وإقامة مصدات إسمنتية متينة لحماية المناطق المنخفضة.