سيماف خليل
تمر اليوم الذكرى الـ38 لمجزرة حلبجة، تلك الجريمة التي ارتكبها نظام البعث العراقي باستخدام الأسلحة الكيميائية في 16 آذار 1988، لتبقى واحدة من أبشع جرائم الإبادة في تاريخ المنطقة. ففي تلك اليوم، قتل نحو خمسة آلاف مدني كردي وأصيب الآلاف، في هجوم دمّر المدينة خلال لحظات وحوّل ربيعها إلى مقبرة جماعية. وبينما لا تزال آثار الكارثة الإنسانية والصحية حاضرة في حياة الناجين، يطل مشهد جديد هذه السنة، إذ يرى مراقبون أن الجرح الكردي لم يندمل بعد، في ظل غياب استراتيجية قومية موحدة، محذرين من أن الانقسام السياسي المستمر قد يترك الشعب الكردي عرضة لمخاطر جديدة، خاصة مع تصاعد التوترات والصراعات في المنطقة.
حلبجة… جريمة إبادة بذرائع واهية
كان ذلك في عام 1988، قبل أيام من عيد نوروز، حين بلغت وحشية نظام البعث ذروتها. ورغم امتلاك الكرد قوة جماهيرية في المدن وقوات البيشمركة في الجبال، فإن غياب إستراتيجية قومية موحدة وعدم وجود تنسيق بين القوى السياسية الكردية، إضافة إلى تشتتها بين الدول المسيطرة على المنطقة، شكل نقطة ضعف استغلها النظام. أصدر صدام حسين أوامره إلى علي حسن المجيد، المعروف بلقب “علي الكيماوي”، لتنفيذ الهجوم. وبإشرافه، ألقت الطائرات عدة قنابل كيميائية على المدينة. وقد برر النظام الهجوم بوجود قوات إيرانية داخل المدينة آنذاك، لكنه فشل لاحقاً في تقديم أي مبرر مقنع لهذه الجريمة، خاصة وأنه استخدم الأسلحة نفسها في مناطق كردية أخرى مثل وادي جافايتي وباليسان وسردشت.
لقد تحولت حلبجة إلى وثيقة دامغة أمام المجتمع الدولي على امتلاك نظام صدام لأسلحة إبادة جماعية، وأصبحت جرحاً دائماً في ذاكرة الشعب الكردي.
خطر يتجدد في ظل صراعات إقليمية
اليوم، وبعد 38 عاماً، يجد الشعب الكردي نفسه أمام خطر تكرار سيناريو مشابه، لكن بطبيعة مختلفة. فمنذ 28 شباط من هذا العام، تصاعد الصراع على النفوذ بين محورين دوليين كبيرين: المحور الأميركي-الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى. وقد أدى هذا التصاعد إلى اتساع رقعة الحرب في المنطقة، وأصبحت أراضي كردستان إحدى ساحات هذا الصراع المفتوح.
والأمر الأكثر خطورة بالنسبة للكرد هو أنهم، رغم مرور كل هذه السنوات على كارثة حلبجة، ما زالوا يفتقرون إلى إستراتيجية قومية شاملة ووحدة وطنية متماسكة. ويرى مراقبون أن استمرار هذا الانقسام يمثل نقطة ضعف كبرى قد تفتح الباب أمام مخاطر جديدة، في ظل تنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في المنطقة.
تحالف شرق كردستان… خطوة على طريق الوحدة
في مقابل هذا المشهد القاتم، تظهر نماذج إيجابية يمكن أن تشكل أساساً لبناء وحدة قومية كردية شاملة. فإلى جانب الوحدة التي ظهرت في دعم الكرد في سوريا (روجآفا)، يشكل تشكيل “تحالف القوى السياسية الكردستانية في إيران” خطوة مهمة. فللمرة الأولى في تاريخ شرق كردستان، أعلنت ستة أحزاب وقوى سياسية كردية معارضة للنظام الإيراني عن تشكيل جبهة سياسية موحدة. وتضم هذه القوى: حزب الحياة الحرة الكردستاني، حزب حرية كردستان، الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، منظمة خبات الكردستانية الإيرانية، وجماعة كادحي كردستان.
يُعد هذا الاتفاق سابقة سياسية بحد ذاتها، إذ يجمع هذه القوى ضمن مشروع وطني مشترك، ويؤسس لمرحلة جديدة قائمة على وحدة الموقف والرؤية تجاه القضايا القومية والوطنية. ويمثل تبني خطاب ورؤية موحدين في التعامل مع التطورات السياسية داخل إيران، خطوة يمكن البناء عليها لتحقيق وحدة وطنية أوسع تشمل كل أجزاء كردستان. ويبقى السؤال المطروح: هل تشكل هذه الخطوة بداية طريق طويل نحو لم الشمل الكردي، في وقت هم بأمس الحاجة إليه لمواجهة عواصف المنطقة؟