بدأت بالمدرجات وانتهت بالمعتقلات.. ماذا حدث في انتفاضة قامشلو 2004؟

محسن العمري

بالتزامن مع الذكري الـ 20 لاحداث 12 آذار شهدت مدن شمال شرق سوريا العديد من الفعاليات من أجل إحياء تلك الأحداث التي راح ضحيتها عشرات الكرد على يد قوات النظام فيما عرف بـ انتفاضة قامشلو.

وكان نظام البعث السوري قد ارتكب في آذار عام 2004 مجزرة ضد المدنيين الكرد بدأت في ملعب المدينة الذي سمي تيمناً بشهدائها فيما بعد “بملعب شهداء 12 آذار”.

واستشهد أثر المجزرة التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية التابعة لنظام البعث 38 مدنياً، وجُرح العشرات واعتقل في ما بعد قرابة 5 آلاف شخص.

وتحولت المجزرة إلى انتفاضة عارمة ضد النظام البعثي، إثر الأحداث المؤلمة التي عاشها المواطنون أثناء مباراة بين فريقي نادي الجهاد ونادي الفتوة، والتي خُطط لها مسبقاً، من أجل إشعال فتنة بين أبناء المكونين الكردي والعربي في المنطقة، وسعى إلى تأجيج الوضع أكثر.

وفي محاولة للإقتراب أكثر من تلك الأحداث، تحدثت منصة تارجيت مع السياسي الكردي دارا أحمد وهو أحد المشاركين في انتفاضة قامشلو والذي أكد في حديثه أن 12 آذار 2004 كان يوما عاديا في سوريا أو يفترض أن يكون كذلك فالأمر مجرد مباراة كرة قدم بين فريقين بالدوري السوري الذي لا يسمع به أحد ولكن النظام أرادها مجزرة بشرية لتوجيه رسائل سياسية معينة.

وبحسب دارا الذي تم اعتقاله لمدة عام على خلفية الانتفاضة فقد كانت المباراة بين فريقي الجهاد والفتوة في الملعب البلدي بقامشلو ولم يكن المشجعين الكرد المؤازين لفريق الجهاد يتوقعون ان تكون نهاية المباراة دموية بهذا الشكل ولكن مشجعي فريق الفتوة من أبناء القومية العربية بدير الزور كانوا يدركون أنها ليست مجرد مباراة كرة قدم وكانوا ينفذون السيناريو المرسوم لهم بشكل كامل.

وأشار إلي أن المباراة جاءت في ظل أجواء مشحونة إقليميا ودوليا خاصة بعد سقوط رأس النظام البعثي بالعراق صدام حسين وإعلان فيدرالية إقليم كردستان وهو ما منح الكرد في سوريا أملا في تحسين أوضاعهم خاصة في ظل سياسات التعريب التي يطبقها النظام في مناطقهم فضلا عن حرمانهم من الجنسية واعتبارهم أجانب وبالتالي حرمانهم من تملك أراضيهم أو التوظيف وفرص العمل بقطاعات الدولة إضافة لحظر النشاط السياسي للأحزاب الكردية وملاحقة من يتحدث عن الحقوق الكردية.

ويعتقد أحمد أن النظام أراد أن يثبت للكرد أن ما حدث في العراق لا يمكن أن يتكرر في سوريا وأراد من خلال تلك الأحداث أن يقطع أى أمال لدى الكرد في إمكانية التغيير السلمي، لافتا إلي أن ما حدث في ملعب قامشلو يؤكد بأن مشجعي فريق الفتوة كان على علم بما سيحدث وأن الأمر كان بدعم ومساندة من أجهزة النظام خاصة في ظل السماح لمشجعي الفتوة بحمل الحجارة والعصي والأسلحة الممنوعة والسكاكين وكل الأشياء المحظور دخولها للملاعب بجانبهم رفعهم للشعارات التي تمجد راس النظام السياسي في العراق صدام حسين مرفقة بشعارات اهانة وشتم للرموز الكردية مثل البرازاني والطالباني وأوجلان.

وقال: إنه في ظل هذه الأجواء كان طبيعا أن يغضب المشجعين الكرد وتحدث مشاجرات ومشادات بين الطرفين وهو الأمر الذي كان يريده وينتظره النظام حيث سرعان ما لجأت قوات الأمن لاستخدام السلاح وإطلاق الرصاص الحي بأمر مباشر من قائد شرطة المحافظة وهو ما أدي لسقوط قتلي ومصابين من الشبان الكرد، فضلا عن اعتقال العشرات.

وتابع: وفي اليوم التالي وأثناء تشييع الشهداء الكرد هاجم الأمن السوري صفوف المشيعيين ما أدي لسقوط المزيد من الشهداء وهو ما أشعل الموقف في قامشلو وخرجت المظاهرات العارمة في كل المناطق والأحياء الكردية بسوريا وهو ما أستغله النظام في القيام بحملة همجية دموية وبقبضة حديدية لا مثيل لها ضد المكون الكردي لتعزيز ثقافة الخوف والرعب التي مارسها طيلة العقود السابقة وبالتالي الى كسر الطموح والأماني والأمال التي استجدت لدى الكرد للعيش بكرامة وحرية وهويته القومية الديمقراطية.

وأضاف المعتقل الكردي السابق في سجون النظام: تعامل إعلام النظام مع الأحداث بوصفها بأعمال شغب لمجموعات من الفوضويين والغوغائيين واتهام الكرد بالخيانة والعمالة والتآمر والارتباط بالخارج ووصفهم بالإنفصاليين، بعدها تدخل رأس النظام ذاته واجهزته الأمنية والعسكرية مع تفعيل وتحريض الشريحة الرديفة له من البعثييين والمنتفعين من المكون العربي وتم نهب ممتلكات الكرد في الكثير من المدن، وجلب النظام القوات الخاصة بقيادة ماهر الأسد الذي هدد بتدمير قامشلو كما حصل في مدينة حماه سنة 1980 أثناء قمعهم لتمرد الاخوان المسلمين.

وأكمل الشاهد على أحداث انتفاضة قامشلو روايته لـ تارجت بقوله “بعدها حملة اعتقالات واسعة وعشوائية في جميع المناطق الكردية وكنت أحد هؤلاء المعتقلين لانتمائي لحزب الاتحاد حيث تم ايداعنا في سجن صيدنايا العسكري السيىء الصيت، ومُورس بحق المعتقلين أبشع صنوف التعذيب الجسدي والأخلاقي الأمر الذي أدى استشهاد بعض الشبان تحت التعذيب وإصابة الكثير منهم بعاهات لتكون تلك نهاية الانتفاضة التي استمرت لمدة ستة أيام من 12آذار لغاية 18آذار وواجهها النظام بكل أشكال العنف والتحريض والقتل والاعتقال.

وختم الشاهد تصريحاته بقوله ” أصبحت هذه الإنتفاضة صفحة مشرقة في نضال الشعب الكردي الذي وقف في وجه أعتى نظام إستبدادي دكتاتوري شوفيني عرفته المنطقة،ذلك النظام الذي أصبح وبالاً منذ تسلمه السلطة بالانقلاب المشؤوم في8 آذار 1963 إلى يومنا هذا، وما آلت الي الاوضاع في سورية بعد ما عُرف بالثورة السورية منذ.آذار 2011بتدمير للبنية المجتمعيةوالتحتية. للبلد وهجرة الملايين الى الخارج والنزوح بالإضافة الى ارتهان النظام لسياسات واجندات ومصالح بعض القوى الإقليمية والدولية كل ذلك حماية للكرسي والسلطة القاتلة .”

من الانتفاضة لـ الإدارة

من جانبها، اعتبرت ليلي موسي ممثل مجلس سوريا الديمقراطية بالقاهرة في تصريحات هاتفية لـ منصة “تارجت” أن الإدارة الذاتية هى أحد ثمار انتفاضة قامشلو في 12 آذار 2004.

وقالت موسي أن الانتفاضة التي تحل اليوم ذكراها الـ 20 كانت أولى شرارات ربيع الشعوب في مواجهة الاستبداد والتسلط حيث قام النظام وقتها باستهداف المكون الكردي عبر اللعب على الوتر القومي والعمل على تأليب المكون العربي عليه.

وأشارت عضو مجلس سوريا الديمقراطية إلي أن محاولات النظام لبث الخلاف بين العرب والكرد فشلت بفضل وعي الشعب السوري، وإدراكه لخطورة سياسات النظام السوري وتداعياتها على الأمن الوطني والسلم الأهلي وتمزيق نسيج المجتمع السوري.

وشددت على أن الشعب السوري واحد في تنوعه الإثني والعقائدي وعمق العلاقات التاريخية والقواسم المشتركة أكبر من تلك المحاولات البائسة التي يستخدمها النظام سواء عبر اللعب على الوتر القومي تارة والديني تارة أخرى.

وتري ممثلة مسد بالقاهرة أن الانتفاضة رغم عدم استمرارها لأسباب منها داخلية وأخرى خارجية، ولكنها حملت في طياتها ارهاصات الحراك الثوري السوري والذي اندلع عام 2011. حيث كانت تجربة في غاية الأهمية وجديرة بالدراسة استخلص منها الشعب السوري دورس وعبر تكللت عبر تكاتف مكونات المجتمع السوري في الاسهام معاً في تأسيس الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا عقب اندلاع الثورة السورية.

وتابعت : كما سطر السوريين معا أجمل ملامح بطولية في مقارعة الإرهاب والتطرف وجميع المساعي الهادفة إلى المساس بوحدة ترابها ولحمتها الوطنيةـ وبل أكثر من ذلك مثلما عملوا على فشل مساعي النظام السوري على ضرب مكونات المجتمع السوري في عامي 2004 و2011 عملوا على فشل جميع مساعي بعض الدول الإقليمية وفي مقدمتها دولة الاحتلال التركي التي عملت منذ الأيام الأولى من الحراك الثوري وإلى يومنا هذا على تأليب مكونات المجتمع السوري ضد بعضه البعض.

وبحسب موسي فإن الشعب السوري اليوم في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التلاحم والتعاضد من أجل تجاوز الأزمة التي تعيش بلاده منذ 13 عاما وانهاء الاحتلالات وتحقيق تحول وطني ديمقراطي في ظل الفوضى المستشرية والمستجدات والتطورات المتسارعة والسياسات والاستراتيجيات التي ترسم لإدارة المنطقة.

الميراث الثوري

بدوره، بدران جيا كرد مسؤول العلاقات الخارجية بالإدارة الذاتية أن إنتفاضة 12 آذار كانت نقلة نوعية عملية في كسر جميع الحواجز الأمنية بجرأة ثورية لا مثيل لها قدمت المئات من الضحايا ما بين شهيد وجريح ومختطف.

وقال في تغريدة على حسابه على منصة إكس إن هذه الجرأة نبعت من وعي وطني مترسخ نتيجة المعاناة التي تعرّض لها شعبنا منذ عقود من قبل النظام السوري، مؤكدا أن هذه الإنتفاضة التي اندلعت في 12 آذار 2004 كانت تشكل ذروة تراكم الاحتقان الذي خلقه النظام السوري نتيجة سياساته الاقصائية والقمعية الاستبدادية تجاه شعبنا وكانت شرارتها الأولى صعقت في قامشلو لتتضامن معها جميع مناطق روج آفا حتى المدن السورية الكبرى كحلب ودمشق واللاذقية.

واعتبر جيا كرد أن انتفاضة قامشلو كانت بداية ثورة 19 تمّوز وميراثاً ثورياً لثورة الحرية والكرامة وهو ما يدل على أن الشعب الكردي كان سبّاقاً في نضاله وريادته للثورة السورية ونموذجاً حياً على كفاحه ضد السياسات الشوفينية اللاديموقراطية التي تشتت النسيج الوطني السوري.

وشدد على أن الشعب الكُردي يشكل النواة الصلبة والقوة الإستراتيجية الأساسية للتحوّل السياسي الديموقراطي في سوريا، وقد استمر في نهجه الوطني مع اندلاع الثورة السورية في 15 مارس 2011 ولم ينزلق عن مساره، في الوقت الذي تحوّلت فيه الثورة السورية لاحقاً إلى حرب استنزاف داخلية ذات طابع طائفي ومذهبي بامتياز تلبيةً لمطالب قوى اقليمية ودولية، مشيرا إلي أن الشعب الكردي خلق تكامل وتلاحم وطني فريد من نوعه بين مكونات شمال وشرق سوريا وبنى نموذجاً وطنياً سورياً يشكل إرثا نضالياً لكل السوريين الديموقراطيين الوطنيين.

وهاجم القيادي الكردي بقوله “النظام السوري ما يزال يتعامل مع جميع القضايا البنوية الداخلية بذات العقلية التي أدت لإندلاع إنتفاضة 12 آذار رغم مرور نحو 13 عاماً على الهلاك والدمار السوريين اللذين يؤكدان حاجة البلاد للتغيير السياسي الشامل والديموقراطي كي يكون ذلك الأرضية والمساحة التي يتوافق عليها جميع السوريين للحفاظ على حقوق جميع المكونات والقضاء على السياسات التمييزية الجائرة التي ولدت أزمات وصراعات دموية كلفت الشعب السوري باهظاً، وهو ما يتحمّل النظام مسؤولية.

وأكد جيا كرد أنه لابدّ من فتح أبواب الحوار بين السوريين أنفسهم وفق مبادئ ومصالح وطنية سورية، وإلا لن يكون هناك بوادر للحل المنشود بل ستستمر سوريا نحو المزيد من إراقة الدماء والدمار مشددا على أنه إذ لم يعد ممكناً إدارة البلاد وفق سياسات أحادية الجانب ذات ثقافة واحدة أزّمت المجتمع بعدما أنكرت مكونات أصيلة منه وقمعت أصوات معارضة.

قد يعجبك ايضا