وتتوالى الإدانات الدولية.. 2023 يوصف بعام الاستبداد في تركيا

هيڤي سليم

تواصل منصة “تارجيت” الإعلامية استعراض بعض مما جاء في التقرير السنوي لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” بشأن حالة حقوق الإنسان في تركيا خلال عام 2023، ويتعلق الجزء الأخير بتعزيز النظام التركي قبضته الاستبدادية، إذ اعتبرت المنظمة أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في مايو/ أيار المنصرم جاءت لتعزز الاستبداد في هذا البلد.

وكان أردوغان فاز في الانتخابات الرئاسية الماضية بشق الأنفس أمام مرشح المعارضة كمال كليجدار أوغلو بعد الذهاب إلى جولة ثانية دون الحسم من الأولى على عكس رغبة النظام وحلفائه، إلا أنه بشهادة كثير من المراقبين فقد جرت الانتخابات في أجواء غير نزيهة، فضلاً عن خطاب الكراهية الذي سادها من القوميين تجاه الكرد، وكذلك اللاجئين وعلى رأسهم السوريين.

تعزيز قبضة أردوغان الاستبدادية

وقالت المنظمة إن فوز أردوغان وتحالفه الانتخابي بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية  عزز النظام الاستبدادي في تركيا، والذي قالت عنه إنه يعاقب بشكل منتظم وتعسفي كل السياسيين الذين يعارضون أو ينتقدون سياساته، إلى جانب سيطرته التامة على  وسائل الإعلام وكذلك القضاء على نحو ساهم في تسييس كثير من المحاكمات.

وكانت هيمنة النظام التركي على الإعلام طوال عام 2023 – العام الذي جرت فيه الانتخابات – النقطة الأبرز والتي سلط عليها تقرير “هيومن رايتس ووتش” الضوء، على نحو دونه مراقبوا الانتخابات الدوليين الذين أكدوا أن التغطيات الإعلامية كانت متحيزة لصالح التحالف الحاكم وللرئيس أردوغان خصوصاً تليفزيون “تي آر تي” الذي اتهمته بمحاباة هذا التحالف على حساب المعارضة.

اللعب على الانقسامات

ولطالما عرف النظام التركي باللعب على وتر الاتقسامات والاستقطابات خلال الاستحقاقات الانتخابية، على نحو رصدته “هيومن رايتس ووتش” في التقرير الذي صدر قبل أيام، إذ اتبع خطاباً إثارياً ضد الكرد، واتهم حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد لقضايا الأقليات بدعم الإرهاب، وكذلك طالت تلك الاتهامات حزب الشعب الجمهوري ممثل المعارضة الرئيسي في ظل التحالف الذي كان بين الحزبين المعارضين في مواجهة أردوغان.

وذكر التقرير أنه نتيجة التهديدات التي تطال أعضائه وإمكانية سجنهم إلى جانب القرار المتوقع بإغلاقه، اضطر حزب الشعوب الديمقراطي إلى خوض غمار الانتخابات البرلمانية تحت مسمى آخر هو تحالف اليسار الأخضر، في إشارة إلى الحملة المسعورة التي قادها النظام التركي ضد الكرد والتضييق الممارس بحقهم وملاحقة كثير من الصحفيين والمحامين الكرد أمام القضاء واعتقالهم لمجرد الإدلاء بأي تصريحات تنتقد الوضع السياسي القائم أو الظروف الاقتصادية التي تعيشها البلاد.

الهيمنة على الإعلام ومطاردة الصحفيين

وعادت “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها لتتحدث مرة أخرى عن سيطرة النظام التركي على الإعلان، إذ قالت إن هيئة البث التابعة للحكومة فرضت غرامات تعسفية على القنوات التلفزيونية ذات التأثير خلال الانتخابات، مشيرة إلى أن وسائل الإعلام المستقلة في تركيا تعمل في المقام الأول من خلال منصات الإنترنت، وحتى ذلك جرت مواجهته من قبل السلطات التي دأبت على إصدار أوامر بانتظام بإزالة أي محتوى يتضمن انتقادات لمسؤولي الحكومة أو أي من أعضاء الهيئات القضائية.

وقال هيو ويليامسون، مدير قسم أوروبا وآسيا الوسطى في المنظمة إن فوز أردوغان في الانتخابات أعقبه صراعات أمام المحاكم وقرارات قضائية مسيسة، مما يدل على التآكل العميق لحقوق الإنسان ومبدأ سيادة القانون في البلاد، مؤكداً أن سجل حقوق الإنسان في تركيا، في عامها المئوي، كان مليئاً باستهداف وسائل الإعلام والمعارضين السياسيين ومعاقبتهم بشكل منتظم.

ولفتت “هيومن رايتس ووتش” إلى أن الصحفيين كانوا من بين الفئات الأكثر عرضة للملاحقة القضائية التي تتم بموجب قانون مكافحة الإرهاب إلى جانب تهمة التشهير التي تطالهم والتي يأتي في مقدمتها “إهانة الرئيس”، مشيرة إلى أن تلك التهمة على وجه التحديد لاقت انتقادات من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

ووثق تقرير المنظمة أن ما لا يقل عن 43 صحفياً وعاملاً في مجال الإعلام كانوا رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة أو يقضون أحكاماً بالسجن بتهم تتعلق بالإرهاب، وذلك حتى شهر أكتوبر/تشرين الأول فقط، مضيفة كذلك أن الصحفيين الكراد استُهدفوا بشكل أكثر شدة من قبل السلطات لا سيما فترات الاحتجاز الطويلة التي قضاها أو يقضيها بعضهم دون محاكمة.

تفرد تام بالسلطة

بدوره، يقول مصطفى صلاح الباحث المتخصص في الشأن التركي، لمنصة “تارجيت” الإعلامية إن الرئيس التركي رغم أن بداياته كانت جيدة في الحكم على صعيد الحقوق والحريات، إلا أن مسألة تشبثه بالسلطة ورغبته في البقاء أطول فترة ممكنة جعلته يفعل كل شيء لهذا الغرض، خصوصاً في ظل تحالفه مع اليمين القومي المتشدد.

وأضاف “ًصلاح” أن تركيا منذ عام 2016 وهي تعاني بشكل كبير من تحركات النظام التركي لتعزيز قبضته على السلطة، فهذا العام شهد محاولة الانقلاب المزعومة والتي على إثرها أطلق أردوغان حملة واسعة من الاعتقالات جعلت بلاده سجناً كبيراً، كما هيمن بشكل واضح على الإعلام والقضاء ومختلف مؤسسات الدولية، فضلاً عن حالة الانقسام والاستقطاب الكبيرة التي لعب عليها، خصوصاً ضد الكرد.

وقال الباحث في الشأن التركي أن عام 2023 بالفعل لأنه كان عام الانتخابات فقد عبر بشكل واضح عما وصل إليه النظام التركي من استبداد، فقد كان الإعلام كله تقريباً منحازاً لأردوغان وتحالفه الانتخابي، وحتى بعض المنصات الإليكترونية المعارضة لاحقها بالحجب، واعتمد خطاباً قومياً متطرفاً أضر بالمكون الكردي كما أضر باللاجئين وخصوصاً السوريين.

اتهامات بتسييس القضاء

وسلط جانب آخر من تقرير “هيومن رايتس ووتش” الضوء على النظام القضائي، مؤكداً أن القضاء يتعرض للتسييس في تركيا، وعلى سبيل المثال تحظر السلطات بانتظام الاحتجاجات والتجمعات التي تنظمها الجماعات المنتقدة للحكومة رغم حصول بعضهم على قرارات من المحاكم تتيح لهم هذه التجمعات، كما استخدمت الشرطة القوة لاعتقال المتظاهرين، ولا سيما أولئك المرتبطين بالجماعات اليسارية أو الكردية.

وذكر التقرير مثالاً على تسييس القضاء بالقرار الذي أصدرته محكمة الاستئناف العليا في تركيا عندما أيدت إدانة رجل الأعمال عثمان كافالا وآخرين لدورهم المزعوم في احتجاجات حديقة جيزي في إسطنبول عام 2013، علماً أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان كانت قد برأته من أية اتهامات، فيما اعتبرت “هيومن رايتس ووتش”  أن هذه القضية تسلط الضوء على سيطرة الحكومة السياسية على المحاكم التركية.

أيضاً، فقد تحدت محكمة الاستئناف العليا في تركيا قرار المحكمة الدستورية الذي أمر بإطلاق سراح محامي حقوق الإنسان والنائب المنتخب مؤخراً جان أتالاي، وإبقائه في السجن، كما أن اتهامات التعذيب وسوء المعاملة في حجز الشرطة والسجون منذ عام 2016 ظلت تلاحق النظام التركي، مع القليل من التحقيقات واتباع الإجراءات القضائية اللازمة بحق من يصدر بحقهم اتهامات.

قد يعجبك ايضا